الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

24

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

آيَةً أُخْرى ( 22 ) أي معجزة أخرى غير العصا . فقوله تعالى : بَيْضاءَ حال من الضمير في تخرج ، ومن غير سوء متعلق ببيضاء لما فيها من معنى الفعل ، وهو ابيضت . وآية أخرى حال من ضمير تخرج . لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ( 23 ) في الإعجاز وهي اليد فإنها أكبر آيات موسى لأنها لم تعارض أصلا ، وأما العصا فقد عارضها السحرة . فقوله : لِنُرِيَكَ متعلق ، بقوله تعالى : وَاضْمُمْ أو بقوله : تَخْرُجْ وقوله : مِنْ آياتِنَا حال من الكبرى ، ف « الكبرى » مفعول ثان « لنريك » ، والتقدير لنريك الآية الكبرى ، حال كونها بعض آياتنا الدالة على قدرتنا اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ بما رأيته من الآيتين العظيمتين ، ؟ ؟ ؟ وادعه إلى عبادتي وحذّره نقمتي . إِنَّهُ طَغى ( 24 ) أي جاوز الحدّ في الكبر ، حتى تجاسر على دعوى الربوبية . قالَ مستعينا باللّه تعالى : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) ، أي ليّن لي قلبي لأجترئ على مخاطبة فرعون ، وكان موسى يخاف فرعون لشدة شوكته ، وكثرة جنوده . فسأل اللّه تعالى أن يوسّع قلبه ليكون حمولا لما يستقبل من الشدائد والمكاره ، بجميل الصبر وحسن الثبات . وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) أي هوّن عليّ تبليغ الرسالة إلى فرعون . وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) متعلق باحلل . روي أنه عليه السلام كان في لسانه رتة ، لأنه حال صباه أخذ لحية فرعون ونتفها لما كان فيها من الجوهر ، فغضب فرعون وأمر بقتله ، وقال : هذا هو الذي يزول ملكي على يده ، وقالت آسية : إنه صبي لا يعقل وعلامته أن تقرّب منه التمرة ، والجمرة ، فقرّبا إليه فأخذ الجمرة ، فجعلها في فيه . يَفْقَهُوا أي يفهموا قَوْلِي ( 28 ) عند تبليغ الرسالة . وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ أَخِي ( 30 ) . ف « وزيرا » مفعول ثان لأنه نكرة ، و « هارون » مفعول أول لأنه معرفة ، وقدم الثاني اعتناء بشأن الوزارة ، و « أخي » عطف بيان ، ولي متعلق بمحذوف على أنه حال من وزيرا ، ومن أهلي متعلق بأجعل ، والمعنى واجعل من أهلي هارون أخي ، متحملا على الأعباء لي ، ومعينا على أمري ، يقوي أمري ، وأثق برأيه ، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( 31 ) ، أي قوي بهارون ظهري ، وأعنّي به وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ( 32 ) أي اجعله شريكي في أمر الرسالة حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي . وقرأ العامة على صيغة الطلب وهي ضم الهمزة من « أشدد » وهي همزة وصل ، وفتح الهمزة من أشركه وهي همزة قطع . وقرأ ابن عامر وحده على صيغة الجواب ، وهو فتح همزة « أشدد » ، وضم همزة « أشركه » ، وكلاهما همزة قطع للمتكلم فيهما ، ويجوز لمن قرأ على لفظ الأمر ، أن يجعل أخي مرفوعا على الابتداء ، واشدد به خبره ويوقف على هارون . كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ( 33 ) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ( 34 ) ، أي كي ننزهك عمّا لا يليق بك من الصفات ، والأفعال التي من جملتها ما يدعيه فرعون الطاغية ، ويقبله منه جماعته الباغية ، من ادّعاء الشركة في الألوهية ، ونصفك بما يليق بك من صفات الكمال ، والجمال ، والجلال ، زمانا كثيرا من جملته ، زمان دعوة فرعون ، وأوان المحاجة معه ، وهذا إشارة إلى أن للجليس الصالح ، والصديق الصديق ، أثرا عظيما في